حسن الأمين

200

مستدركات أعيان الشيعة

وفي ذلك اليوم أيضا ( 29 إسفند سنة [ 1312 ] 1302 ه‍ . ش ) أعاد « رضا خان » محاولته حمل ولي العهد على الاستقالة ، فأرسل إليه الوفد الذي أرسله في اليوم السابق ، ومناه بالوعود ليقنعه بالحضور إلى المجلس النيابي والإعلان باستقالته من منصبه . فكان جواب ولي العهد أن قولوا ل « رضا خان » : طريقك إلى تخت السلطان إنما يكون على جثتي ! فأعاد « رضا خان » الوفد إليه في نفس اليوم ليبلغه أن لا بد من خروجه من قصر « گلستان » ( القصر الملكي ) . فاستدعى ولي العهد رئيس المجلس وبعض النواب في نفس ذلك اليوم إلى قصره واختلى بهم . فلما خرجوا من عنده أمر رئيس المجلس بعقد المجلس النيابي ، فانعقد منذ غروب الشمس وافتتح رئيس المجلس الجلسة ، وقد بدت عليه مظاهر الغم والحزن ، بقوله إن صاحب السمو ولي العهد استدعاني وبعض النواب ، وقال لنا : لقد طلب مني الخروج من القصر الملكي . وإذ كنت وليا للعهد في حكومة دستورية نيابية فانا أستطلع رأي المجلس النيابي في هذا الموضوع . وعقب رئيس المجلس بقوله : ولهذا أعرض القضية على السادة النواب . وتلقى المجلس كلمة الرئيس بالوجوم والدهشة . ثم قطع أحد النواب السكوت بكلمة وافق بها على إقالة ولي العهد ، وصاغها بأسلوب فيه سخرية منه . وترددت بعده مناقشات بين مؤيد ومعارض . إلى أن تجرأ أحد النواب المعارضين وسال رئيس المجلس : ومن ذا الذي طلب من سمو ولي العهد الخروج من القصر الملكي ؟ فسكت الرئيس ولم يجاوب بشيء . ولكن أحد النواب الجمهوريين رد عليه بكلمة شتم فيها الأسرة القاجارية ، وهدد بقوله : إن لم يخرج القاجاريون من عمارات الحكم أخرجهم غدا الناس وطلاب الجمهورية بالقوة واجتثوا أصول الفساد منها . ثم تكلم آخرون من الطرفين وانفضت الجلسة بلا نتيجة . وفي 30 إسفند سنة 1302 ه‍ . ش الموافق 14 شعبان سنة 1342 ه‍ . ق . عقد المجلس النيابي جلسة تقرر فيها تعيين عصر اليوم الثاني من شهر فروردين سنة 1303 ه‍ . ش . موعدا للبت في موضوع إلغاء النظام الملكي وإقرار النظام الجمهوري . وأخذ الناس في ذلك اليوم يفدون إلى ساحة المجلس من الساعة الثانية بعد الظهر ، وفي مقدمتهم العلماء رجال الدين والرؤساء ، وكان هؤلاء يقصدون إلى غرفة رئاسة المجلس فيجلسون فيها ويبقى الآخرون في الساحة الخارجية وظل الناس يتوافدون حتى اكتظت الساحة بهم . وأمر الحرس باغلاق الباب الخارجي ، ولكن الوافدين لم يمكنوهم وأبقوا الباب مفتوحا بالقوة . وتكاثر الناس يفدون جماعات جماعات وكل جماعة منهم ترفع علامة خاصة تدل عليها . وكان الشعور الغالب ينذر الجمهوريين بالشر . فالمظاهر كلها تدل على أن الغالبية تخالف الجمهورية . ورفع بعض المواكب شعار « زنده باد أحمد شاه مرده باد جمهوري » ( عاش أحمد شاه . تبت الجمهورية ) . وانتشر الخطباء بين الجمهور ينددون بالجمهورية والجمهوريين ويعلنون بالتأييد للأسرة القاجارية . حتى اليهود شكلوا مظاهرة ولما وصلوا إلى مكان التجمع أخذوا يهتفون « نتبع القرآن . نرفض الجمهورية » واحتشد الناس احتشادا عظيما وامتد حشدهم في مسافات بعيدة في كل الشوارع والميادين المتصلة بالمجلس النيابي . فما حانت الساعة الرابعة حتى أصبح احتشاد الناس هائلا ينذر النواب الجمهوريين بعاقبة وخيمة . واستنجدوا بالتلفون بمرشحهم المنتظر لرئاسة الجمهورية « رضا خان » وطلبوا منه الحضور إلى المجلس لتعيين تكليفهم . وكان « رضا خان » قد استعد لهذا الحادث ، إذ كان يحتمل وقوعه ، وهيا فرقة مسلحة من العساكر ، وفيها جماعة من الأرمن . فأمرهم بالذهاب إلى دار المجلس النيابي . وفي منتصف الساعة الخامسة كان هؤلاء العساكر يحاصرون المجلس من جميع أطرافه . وشق 350 جنديا من القوزاق عند باب المجلس الخارجي طريقا بين الجمهور ليمر منها « رضا خان » إلى داخل المجلس . ثم وصل « رضا خان » يرافقه جماعة من ضباط القوزاق ورئيس الشرطة فمروا بين صفين من العسكر ودخلوا دار البرلمان . وحين مرورهم تعالى الهتاف من الجمهور « تبت الجمهورية ! » . ورأى « رضا خان » واعظا يخطب الناس منددا بالجمهورية فضربه بسوط كان في يده وأمر بانزاله عن مكان الخطابة . عندئذ رمى أحدهم « رضا خان » بحجر فأصابه في ظهره . وأمر « رضا خان » العسكر بتفريق الناس بضربهم بالحراب ، ثم مضى في طريقه إلى داخل المجلس . ووقعت معركة دامية كان سلاح الأهالي فيها فروع الأشجار القائمة في حديقة المجلس . وقتل فريق منهم وجرح آخرون . ووصل الخبر إلى رئيس المجلس فخرج يستطلع فالتقى على الدرج المؤدي إلى داخل المجلس ب « رضا خان » . فبادره غاضبا بقوله : أي شيء هذا ! لما ذا تضرب الناس في بيت هو بيتهم بسلاح هو سلاحهم ؟ ! فأجابه « رضا خان » : أنا رئيس الحكومة وفي عهدتي حفظ النظام وقمع الفتن ! فرد عليه رئيس المجلس وهو يرتجف غضبا : حفظ النظام هنا من شاني لا من شانك ! فأجابه « رضا خان » : وشاني أنا حفظ نظام المملكة ! فازداد رئيس المجلس غضبا وأجابه : الآن أعلمك بما هو واجب عليك وما هو من شانك . ثم نادى أحد الموظفين ، وقال له : أقرع الجرس لدعوة النواب إلى الاجتماع لأبين لهذا الرجل ما هو واجبه وأفهمه أن المجلس ليس محلا لهذه الأعمال ! يعني بذلك حجب الثقة عنه وإسقاطه . وأخاف هذا التهديد « رضا خان » . فبادر إلى تلافي هذا الخلاف وتوسل ببعض النواب ليتوسطوا له عند رئيس المجلس النيابي بان يسامحه وأن يقبل اعتذاره . وجاء به هؤلاء إلى رئيس المجلس فاعتذر إليه . فقال له الرئيس لا لزوم لاعتذارك إلي وعليك أن تعتذر إلى العلماء والرؤساء الجالسين في غرفة الرئاسة الذين يمثلون أفكار الناس . فذهب « رضا خان » إليهم واعتذر . وقال : الآن ، إذ تبين أن الأمة الإيرانية لا تريد الجمهورية ، فاني أصرف النظر عنها . ثم تبادلوا القبل . وطلب العلماء من « رضا خان » المبادرة إلى إطلاق المعتقلين في الشرطة من المتظاهرين ، وعددهم حوالي الألف ، فأجابهم بالطاعة . وكان فريق من المتظاهرين قد فروا ساعة وقوع المعركة . فذهبوا إلى بيوتهم وتسلحوا بالعصي والسياط وعادوا إلى المجلس ليعودوا بالعلماء والرؤساء الذين يمثلونهم إلى بيوتهم . وكانوا يهتفون وهم يسيرون إلى المجلس « تبت الجمهورية . نريد دين النبي . نرفض الجمهورية » . ثم دخلوا إلى المجلس وعادوا بمثليهم إلى بيوتهم . وفي مساء ذلك اليوم ( 2 فروردين سنة 1303 ه‍ . ش ) تبين للناس